اللغات

محاضرة: الحماية القانونية للصحفيين

محاضرة: الحماية القانونية للصحفيين

على الصحفي أن يتخذ قراراته بحكمة – تحت ضغط العمل – في ظل غيابِ قانونيٍّ مختصٍ يرافقه؛ حتى لا يتعرض هو ومؤسسته للمساءلة القانونية.

سنتناول في هذه المحاضرة أهمية الثقافة القانونية، ليقلل الصحفي من إمكانية تجاوزه للخطوط الحمر، مع الإشارة إلى أن الهدف من هذه المحاضرة ليس زيادة الرقابة الذاتية لدى الصحفيين.

سنتطرق إلى بعض المواضيع التي تكثر فيها المخاطر القانونية كالذم والقدح، وفي النهاية سنختم المحاضرة ببعض الأمثلة من المحاكم الدولية حول حدود النقد الصحفي، وبعض النصائح لتقليل المخاطر القانونية التي يواجهها الصحفيون.

 

ما هو القانون؟

القانون في الأصل كلمة يونانية تعني العصا المستقيمة، وهو في الاصطلاح مجموعة القواعد التي تنظم سلوك الفرد.

والفرق بين القاعدة القانونية والقاعدة الدينية والأخلاقية، هو أن أغلب العقوبات الدينية في الآخرة، والقواعد الأخلاقية في معظمها عبارة عن أعراف اجتماعية غير ملزمة فعليا، أما القواعد القانونية فأهم ما يميزها هو كونها مقترنة بعقوبة توقعها السلطة على المخالفين.

 

ما هي الجريمة؟

الجريمة هي القيام بفعل أو الامتناع عن القيام بفعل خلافا لما ينص عليه القانون.

قد يقول أحدهم القيام بفعل مخالف للقانون هذه قضية واضحة، لكن كيف يكون الامتناع عن القيام بفعل مخالفة قانونية؟

سأورد هنا مثالا واحدا.. امتناع رئيس التحرير عن منح حق الرد لشخص أو جهة ما، هذه مخالفة قانونية توجب المساءلة.

أهم قاعدة يجب أن يعرفها الصحفي هي أنه لا عذر لديه في الجهل بالقانون. فأي ممارس لمهنة الصحافة يفترض به أن يكون عاقلا ومسؤولا عن أفعاله وتصرفاته. وكل القوانين العالمية تنص على ذلك، ولو أخذنا المادة رقم 85 من قانون العقوبات الأردني كمثال، نجد أنها تقول: لا يعتبر الجهل بالقانون عذرا لمن يرتكب أي جرم، ونفس النص موجود في قانون العقوبات السوري في المادة 222.

 

الثقافة القانونية:

من المهم أن تكون لدى الصحفي ثقافة قانونية وذلك لعدة أسباب، من بينها أن يعرف حقوقه ليمارسها حتى النهاية دون الخوف من متابعة أو مساءلة، وهذه الثقافة تجنبه الاعتداء على حقوق الآخرين، وتساعده على توجيه أسئلة دقيقة، فعلى سبيل المثال عدم معرفة الفرق بين التوقيع على العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، والمصادقة أو الانضمام لنفس العهد قد يوقع الصحفي في إشكال، ذلك أن التوقيع غير ملزم قانونيا على عكس المصادقة.

قد يستضيف الصحفي ضيفا للتعليق على موضوع معين، ثم يقوم هذا الضيف بخرق القانون عبر التحريض على شخص أو فئة أو استعمال خطاب العنف والكراهية، في هذه الحالة على الصحفي أن يوقف ضيفه، حتى لا يتيح له منبرا للإساءة للآخرين، وتساعد الثقافة القانونية الصحفي في إبداء رأيه المستند إلى القانون في قضايا حرية الصحافة وحرية التعبير، كما أنه في الحالات التي يمثل فيها الصحفي أمام القضاء فإن ثقافته القانونية ستكون هي أول وسائل دفاعه عن نفسه.

نحن الصحفيين نقوم بدورنا عبر ثلاثة مرتكزات رئيسية هي: المهنية، التي وجدت لأجلها كليات القانون في كل دول العالم، والتشريعات المنظمة لحرية الرأي والتعبير، ويجب أن تتصف التشريعات بضمان حق الصحفي في الوصول إلى المعلومات، وأن تتناسب العقوبة مع حجم الخطأ المرتكب من طرف الصحفي، لأن العقوبات الشديدة جدا مقارنة بالجرم المرتكب ترفع الرقابة الذاتية لدى الصحفي وتجعله عاجزا عن أداء مهمته.

وحين تضيق المساحة الفاصلة بين المهنية والتشريعات تبرز أهمية أخلاقيات المهنة، لأن القانون لا يستطيع أن ينظم كل صغيرة وكبيرة في العمل الصحفي، ستبقى هناك منطقة رمادية في المنتصف لا تشملها التشريعات والقوانين، هذه المنطقة الرمادية تتكفل بها أخلاقيات المهنة. وأخلاقيات المهنة لا تقتصر على مهنة الصحافة فقط، بل هي قديمة وموجودة في كل المهن، فهناك قسم أبقراط في الطب الذي عمره 2400 سنة، وهناك شيخ الكار في أسواق دمشق القديمة، والشاه بندر في أسواق بغداد، حيث كانا ينظمان العمل ويحلان النزاعات بين التجار، وبين التجار والزبائن من جهة أخرى استنادا إلى أخلاقيات المهنة دون اللجوء إلى القضاء.

الصحفي يقوم بعمله من خلال الكتابة أو النشر أو البث، بغض النظر عن نوع الوسيلة، ولكن كيف يوازن الصحفي بين حقوقه وواجباته؟

أغلب الدساتير العربية تنصّ على حرية الرأي والتعبير، وعلى الصحفي أن يطلع على تلك النصوص في دستور بلده، فهذه أهم حماية له، لأن الدستور هو أبو القوانين، ولا يجوز أن يأتي قانون ينتقص من الحق الوارد في الدستور.

في كل دول العالم هناك إباحة مطلقة في نشر ما يقال أو يحدث تحت قبة البرلمان أو داخل قاعات المحاكم، مع الإشارة إلى أن كل المحاكمات تجري بشكل علني باستثناء حالات محددة كمحكمة الأسرة مثلا، ولكن حتى في المحاكمات التي تقام سرًا، فإن النطق بالحكم يكون علنيا في كل الأحوال.

وهناك إباحة نسبية في نشر أو بث حق النقد المشروع الذي يعني أن ينتقد الصحفي أداء وعمل المسؤول دون المساس بشخصه، أو التعرض لأفراد عائلته بالإساءة. والقوانين الدولية والعربية توفر للصحفي حماية عالية في أداء مهمته في نقد عمل المسؤولين والموظفين في القطاع العام، حتى وإن استعمل "قوارص الكلم" وهذه العبارة صادرة عن المحكمة المصرية. ويشمل حق النقد المشروع أيضا الشخصيات العامة بما فيها الموظفين السابقين في القطاع العام، ومن ارتضى لنفسه أن يكون تحت دائرة الضوء.

الكثير من الحماية القانونية للصحفيين تبدأ عندما يواجه الصحفي القضاء خاصة في المرحلة الأولى عند الادعاء العام أو عند الشرطة، والصحفي الذي لا يمتلك ثقافة قانونية جيدة قد يقع في المحظور بعد تصريح أو رد على سؤال.

 

عدم الاختصاص الولائي:

يجب أن تكون لدى الصحفي دراية بقانون البلد الذي يعمل فيه، وعليه أن يركز أولا عند استدعائه على أن تكون المحكمة التي استدعته هي المحكمة المختصة.. فعلى سبيل المثال جرائم الإعلام بكل أنواعه في الأردن هي من اختصاص محكمة البداية، وفي قطر جرائم المطبوعات من اختصاص المحكمة الجزائية الكبرى، وعلى الصحفي إذا طلب لأي محكمة أخرى في أحد هذين البلدين، أن يشير إلى عدم اختصاصها في البحث في قضايا الإعلام.

 

عدم الاختصاص المكاني:

النقطة الثانية التي ينبغي للصحفي أن يركز عليها هي عدم الاختصاص المكاني، فالأصل أن ترفع الشكوى على المواطن في مكان إقامته، أو المكان الذي ارتُكبت فيه بالمخالفة القانونية، كمقر المؤسسة الإعلامية، أو المكان الذي وقعت فيه آثار الجريمة.

 

التقادم:

قانون العقوبات في بعض البلدان العربية مثل الأردن وقطر يسقط عقوبة الذم والقدح والتشهير بالتقادم بعد ثلاثة أشهر من ارتكابها، فإذا وجّهت إلى الصحفي إحدى هذه التهم في موضوع نُشر قبل ثلاثة أشهر فأول ما يجب عليه فعله هو الإشارة إلى تاريخ النشر. وهنا نشير إلى أنه في حالات قليلة مثل القوة القاهرة قد يسمح برفع الشكوى بعد الأشهر الثلاثة المذكورة.

 

عدم صحة الخصومة:

في بعض الأحيان يتوهّم شخص ما أنه قد أسيء إليه أو لفئة معينة من المجتمع في موضوع نشرته إحدى المؤسسات الصحفية، وفي هذه الحالة يبين الصحفي للجهة القانونية أن رافع القضية لا يملك حق رفعها، فعلى سبيل المثال قد ينتقد صحفي عمل مركز صحي، واستنادا إلى ذلك يقوم مدير المركز برفع قضية عليه بصفته متضررا بالحق الشخصي، وهذا لا يجوز قانونا، لأن ذم الهيئة المعنوية لا يعني ذم شخص المدير، تماما كما أن ذم المدير لا يعد ذماً للهيئة المعنوية.

 

اليمين القانونية:

قد يطلب المدعي العام من الصحفي أن يحلف اليمين القانونية، وفي هذه الحالة يجب أن يحلف انطلاقا من كونه شاهدا أو خبيرا، ولا يجوز تحويله إلى متهم، لأن محاكمة الشخص استنادا إلى الأقوال التي صرح بها بعد أن حلف اليمين بمنزلة التعذيب في القانون الدولي، ولا يجوز إجبار الشخص بأي نوع من أنواع التعذيب على التصريح بما يدينه.

الجرائم المعلقة على شكوى وشرط الادعاء بالحق الشخصي:

ومنها جرائم الذم والقدح، وتعرف في مصر بجرائم القذف والسب، وفي تونس بجرائم الثلب، ولو كان المدعي العام شاهدا على مثل هذه الجرائم فلا يحق له أن يرفع قضية ضد الصحفي، لأن ذلك من حق المتضرر فقط.

الصفح والعفو العام: العفو العام يعني نفي وجود الجريمة بشكل تام وكأنها لم تكن، وهنا نشير إلى أن رفع الشكوى على مؤسسة إعلامية بعد نشرها لموضوع ما، يجب أن يشمل الكاتب ورئيس التحرير معا كفاعلين أصليين، ولا يجوز مساءلة أحدهما دون الآخر، وصدور العفو عن أحدهما يشمل الآخر بشكل تلقائي.

 

واجبات الصحفيين:

تناولنا فيما مضى من هذه المحاضرة حقوق الصحفيين، والآن نصل إلى واجباتهم.. الصحفي بالأساس وجد ليخدم المصلحة العامة، ومن واجبته كما تنص المادة 19 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية ألا ينشر سوى الحقيقة، لذا فإنه ملزم بالتحقق من أي معلومة ينشرها، وألا يدفعه السعي لتحقيق السبق الصحفي إلى نشر أخبار زائفة.

في قانون نظام انتخاب مجلس الشورى القطري تنص المادة رقم 50 على أنه "يعاقب بمدة لا تزيد على سنة، وبغرامة لا تزيد على مئة ألف ريال قطري أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من نشر أو أذاع بين الناخبين أخباراً غير صحيحة عن سلوك أحد المرشحين أو أخلاقه بقصد التأثير في نتيجة الانتخاب"

ومن واجبات الصحفي أن يضمن حق الرد لأي شخص أو جهة معنوية نفيا لشبهة التحيز لطرف دون آخر، وليمنح نفس المساحة لكل أطراف القضية، وأنا أنصح كل المؤسسات الصحفية باحترام حق الرد، ليس خوفا مما يترتب على عدم منح حق الرد للجهة المتضررة من عقوبات هي في مجملها عقوبات بسيطة، وإنما نضمن هذا الحق استنادا إلى التزامنا بأخلاقيات العمل الصحفي، ولزيادة ثقة الجمهور في وسائل الإعلام. نأخذ هنا صحيفة نيويورك تايمز كمثال، حيث تخصص الصفحة الثانية دائما لنشر حق الرد أو لتصحيح معلومة أو خطأ وقعت فيه.

تنص بعض الدول في قوانينها على بعض المحاذير التي ينبغي تجنب الخوض فيها مثل: الأمن القومي، وخصوصية المواطنين، وعلاقات الدولة بنظيراتها.

القضايا التي تزيد فيها فرص المساءلة

 أغلب القضايا التي يحاكم الصحفيون بناء عليها في كل العالم هي قضايا الذم والقدح، وبالاستناد إلى انتدابي خبيرا في الكثير من المحاكم أرى أنه ينبغي لكل صحفي أن ينتبه لكلمات ثلاث هي: الذم والقدح والتحقير.

الذم والقدح لا يلتفت إليهما في القوانين العربية إذا انتفت عنهما صفة العلنية، والمقصود بالعلنية النشر في وسائل الإعلام أو وسائل التواصل الاجتماعي، أما التحقير فلا يكون علنيا ولا يرتكب في أي وسيلة من وسائل الإعلام.

 

ما هو الذم؟

هو إسناد مادة معينة إلى شخص _ولو في معرض الشك والاستفهام_ من شأنها أن تنال من شرفه وكرامته أو تعرضه إلى بغض الناس واحتقارهم، سواء كانت تلك المادة جريمة تستلزم العقاب أم لا.

كأن يقول صحفي على سبيل المثال بأن رئيس بلدية معينة يستعمل آليات البلدية ومعداتها في مزرعته الخاصة.

في هذه الحالة إذا لم يمتلك الصحفي دليلا على ادعائه فإنني أنصحه بتجنب نشر هذا الاتهام، بل عليه عوضا عن ذلك أن يصور بنفسه معدات البلدية وهي تعمل في مزرعة العمدة، ويوثق العملية برمتها.

 

ما هو القدح؟

هو الاعتداء على كرامة الغير أو شرفه أو اعتباره _ولو في معرض الشك والاستفهام_ من دون بيان مادة معينة. كأن يتهم الصحفي مسؤولا بالكذب أو الاختلاس أو ما شابه دون أن يقدم ما يثبت صحة اتهامه.

وعلى الصحفي إذا اضطر إلى أن يكتب في مثل هذه القضايا أن يبتعد عن القدح والتحقير، لصعوبة إثباتهما على عكس الذم.

أغلب قوانين العقوبات العربية أو قوانين المطبوعات والإعلام المرئي والمسموع تقول إنه إذا طُعن في أعمال موظف عام، يسمح القضاء للصحفي بإثبات ما ذهب إليه، وزيادة على ذلك هناك خمسة مخارج أخرى يمكن للصحفي أن يستفيد منها في مثل هذه القضايا، ومن بينها: حسن النية، كالاعتقاد بصحة الخبر بعد استيفاء كل الطرق الممكنة للتأكد والتثبت، والسعي لتحقيق المصلحة العامة مع عدم وجود استهداف لشخص معين.

في عدد من البلدان العربية _على عكس أمريكا وأوروبا_ يمنع القانون ذم الرموز العامة، كالمؤسسات القضائية، ومجلس الأمة والبرلمان.

في الدول الديمقراطية من الصعب أن يخسر صحفي قضية قانونية، لأن المسؤول الذي يرفع قضية ذم وقدح، يقع عليه عبء إثبات سوء نية الصحفي، بينما في عالمنا العربي بمجرد أن يشتكي المسؤول لدى المحكمة فإنه يحدث العكس، حيث يقع على الصحفي عبء إثبات حسن نيته.

في بعض الأحيان يلجأ الصحفي إلى عدم كتابة اسم الشخص الذي يوجه إليه تهمة ما، ويستعيض عن ذلك بكتابة الحرف الأول من اسمه والحرف الأول من اسم عائلته معتقدا أنه بذلك يتجنب المساءلة انطلاقا من كونه لم يعين الشخص المقصود. وهذه العملية لا تخدم الصحفي لأنها تقلل من مصداقيته عند الجمهور، ولا تجنبه المساءلة.

في قرار لمحكمة التمييز الأردنية يقول: إذا كانت هناك قرائن لا يبقى معها تردد في نسبة الإسنادات إلى المعتدى عليه وجب أن ينظر إلى مرتكب فعل الذم كأنه ذكر اسم المعتدى عليه صراحة.

لنفترض مثلا أن الصحفي لم يذكر الاسم ولم يشر إليه، لكنه ذكر أن امرأة تدير مركزا صحيا في محافظة معينة أساءت استغلال المال العام، وتصادف أنه لا يوجد في تلك المحافظة سوى امرأة واحدة تدير مركزا صحيا، فإنه في هذه الحالة يعامل كأنه ذكر اسمها صراحة.

 

مواثيق الشرف المهني:

تؤدي وسائل الإعلام دورها بالاستناد إلى مرتكزات ثلاثة هي: المهنية – التشريعات – أخلاقيات المهنة. هذه المرتكزات بمنزلة أضلاع المثلث التي لا يكتمل بدونها. وأهم هذه الأضلاع هو التزام الصحفي بأخلاقيات المهنة، لأننا نستطيع أن نطور من درايته بالتشريعات والمهنية، بينما يتعذر رفع مستوى التزامه بالأخلاقيات دون قناعة والتزام شخصي منه.

ولأهمية أخلاقيات المهنة نجد في كل دول العالم مواثيق أخلاقية مثل ميثاق اتحاد الصحفيين الدوليين في بروكسل، وهناك مواثيق إقليمية كميثاق اتحاد الصحفيين العرب، وتوجد مواثيق محلية خاصة بكل دولة، مثل ميثاق نقابة الصحفيين في الأردن ومصر ولبنان... وفي بلدان المغرب العربي نجد تعددية نقابية أحيانا، ولكل نقابة ميثاقها الخاص، وهذا أمر جيّد. وتوجد مواثيق داخلية خاصة ببعض المؤسسات الإعلامية الكبيرة كالواشنطن بوست، ونيويورك تايمز، وشبكة الجزيرة، مثل هذه المؤسسات تلتزم بمواثيق الشرف لأن ذلك من أهم وسائل ضبط جودة المنتج الإعلامي الذي تقدمه.

 

حق الوصول إلى المعلومات:

بعض الدول العربية لا تسهّل حق وصول الصحفي إلى المعلومات، لذلك نجد أن أغلب ما ينشر على الصحف العربية هو مقالات الرأي. مقالات الرأي هذه عندما تجدها منتشرة في بلد ما، فتأكد أن الدولة لا تمنح الصحفيين حق الوصول إلى المعلومات.

الكثير من دول العالم سنت القوانين لتأمين الوصول إلى المعلومات، وضمان حق المواطنين في المعرفة والاطلاع على ما يجري في بلدهم، ولخلق نقاش حر وواعٍ عبر وسائل الإعلام، هذه الدول يبلغ عددها اليوم 128 دولة، من بينها 7 دول عربية، وأنا أنصح كل البلدان العربية بسن مثل هذه القوانين لأنها تساعد في الحد من نشر الشائعات والأخبار المضللة.

يمكن للصحفي إذا وُجد في دولته قانون يكفل له الحق في الوصول إلى المعلومات، أن يلجأ لهذا القانون متى احتاج إلى ذلك، لأنه في بعض الأحيان يُمنع الصحفي من الحصول على المعلومة على الرغم من وجود قانون ملزم بذلك، ولكنه باستخدام هذا القانون يفرض على الجهة الرسمية، منحه ما يريده من معلومات بسلطة القانون. ومن الأمثلة على ذلك ما قام به الصحفي بوب ودورد Bob Woodward)) وزميله كارل برنستين (Carl Bernstein) من أجل الوصول إلى الأشرطة التي كان الرئيس ريتشارد نيكسون يتجسس عبرها على الحزب الديمقراطي، ليفجرا بعد ذلك فضيحة ووتر جيت المعروفة، التي أدت إلى استقالة نيكسون لاحقا.

في الدول العربية لا نفتقد مثل هذه القوانين فقط، وإنما تتبع الحكومات نظاما سريا هائلا، حيث توجد قوانين لتأمين سرية العديد من المعلومات، وبغض النظر عن عدالة هذه القوانين إلا أن الصحفي ملزم باحترامها ليظل في مأمن من المساءلة، لأن الصحفي إذا نشر وثيقة سرية، وخاصة ما يتعلق بالأمن القومي والأسرار العسكرية، فإنه يوقع نفسه في ورطة. وهذا لا يقتصر فقط على البلدان العربية، فمثل هذه القوانين موجودة في كل دول العالم، وكمثال على ذلك لدينا العميل السابق في المخابرات الأمريكية إدوارد سنودن، والأسترالي جوليان أسانج، الملاحقان بسبب نشر معلومات سرية.

وكنصيحة في هذا السياق أقترح على الصحفيين أن يقرؤوا أرشيف القضايا التي رُفعت على مؤسسات صحفية سابقة، لأن ذلك سيزيد من مستوى ثقافتهم القانونية، لمعرفة ما هو الممنوع والمباح، والمجال الذي يمكن للصحفي أن يتحرك فيه بأمان.

في الأردن على سبيل المثال هناك قرار شهير بتبرئة صحفي كتب مقالا وصف فيه الحكومة بالحكومة الكرتونية، وذكرت المحكمة في القرار أن النقد إذا حقق مصلحة عامة، وتناول واقعة تهم المجتمع، ولم يتعرض لشخص المسؤول بالإساءة، وإنما اقتصر على نقد أدائه سواء كان وزيرا أو طبيبا أو شخصية علمية أو شاعرا أو فنانا، واستخدم العبارات المناسبة فإن ذلك لا يخرج من نطاق المقبول.

 

عقوبات قد يتعرض لها الصحفي:

الصحفي الذي يعمل دون أخذ المزالق القانونية بعين الاعتبار قد يعرض نفسه لأربعة أنواع من العقوبات هي:

العقوبة الجزائية: التي قد تحدّ من حريته الشخصية، ويدفع بموجبها غرامة للدولة، وأتعاب المحامي.

العقوبة المدنية: التي تتضمن تعويض المتضرر وتحمّل تكاليف القضية.. وقد يصل التعويض إلى آلاف الدولارات بما يتناسب مع حجم الجرم المرتكب بحق الضحية، ولكن لا ينبغي أن تأخذ الحكومة مبالغ كبيرة من الصحفيين والمؤسسات الإعلامية. على سبيل المثال في فرنسا رُفعت قضية بتهمة الإساءة لرئيس الجمهورية، وبعد المحاكمة غُرّم الصحفي بيورو واحد فقط، وفي ذلك رسالة ضمنية للصحفي بأنه تعدى حدود القانون، وعليه أن ينتبه في المرات القادمة.

ولكن في بعض الدول قد يصل التعويض إلى ملايين، وهذا خطأ.. فلا يجوز أن تستغل خطأ الصحفي للحصول على مبالغ ضخمة يستفيد منها المتضرر أو الدولة، وقد تتسبب في إغلاق المؤسسة الصحفية أو توقفها عن العمل، وهنا تخرج العقوبة عن إطار حفظ التوازن بين حرية الصحافة وحقوق المواطنين في حفظ اعتبارهم.

العقوبة التكميلية: ويمنع على أساسها الصحفي من الترشح للانتخابات، ولا يحق له الانتخاب، ويمنع مؤقتا أو بشكل دائم من ممارسة المهنة.

العقوبة التأديبية: وتفرضها المجالس التأديبية في نقابة الصحفيين، خاصة فيما يتعلق بالجرائم المخلة بالشرف، وهذه من العقوبات المهمة، لأن المنتسب لمهنة الصحافة يجب أن يتصف بالانضباط الأخلاقي والسلوكي، وأن يكون قدوة لعامة الناس. واستنادا إلى ذلك تفرض النقابات العقوبة التأديبية على كل مخالف لأخلاقيات المهنة عن طريق الكشف عن مصادر المعلومات أو الإساءة للآخرين بدون وجه حق أو ممارسة الابتزاز أو ما شابه.

وبهذا نصل إلى نهاية هذه المحاضرة ونتمنى ألا تصلوا إلى المحاكم أصلا.. شكرا. 

شاهد المزيد محاضرات