اللغات

محاضرة: الفنون التحريرية في إعداد برامج المنصات الرقمية المتلفزة

محاضرة: الفنون التحريرية في إعداد برامج المنصات الرقمية المتلفزة

أنا عبد اللطيف حيدر: صحفي وباحث يمني ومنتج في برنامج "هاشتاج" بقناة الجزيرة مباشر.

حاصل على شهادةِ البكالوريوس في الإعلام ودرجة الماجستير في الإعلام والدراسات الثقافية.. أنجزت عددا من الأوراق البحثية في الإعلام والعلاقات الدولية. وشاركت في العديد من المؤتمرات العلمية.

أهلا بكم في محاضرة "الفنون التحريرية في إعداد برامج المنصات الرقمية المتلفزة" والتي سنستعرض فيها تجربة برنامج "هاشتاج" التفاعلي على قناة الجزيرة مباشر.

 

نسعى في هذه المحاضرة إلى تحقيق مجموعة من الأهداف من بينها:

-       التعرف على آلية عمل برامج المنصات الرقمية المتلفزة.

-       معرفة كيفية إعداد القصة التفاعلية للتلفزيون.

-       التعرف على آليات انتقاء الأخبار والقصص من منصات التواصل الاجتماعي.

-       التعرف على أبرز وسائل التحقق من محتوى المواد على منصات التواصل قبل نشرها.

-       وأخيرا سنقف على أبرز التحديات التي يواجهها صحفيو برامج منصات التواصل الاجتماعي، والأخطاء الشائعة التي يقعون فيها وطرق التغلب عليها.

تعلم عزيزي المتابع أن العالم الرقمي أصبح ميدان صحافة اللحظة وآنية الخبر.. ويتيح التعليق على الأحداث والتفاعل معها في الوقت ذاته.

هذا الواقع بطبيعة الحال فرض نفسه، وقلب هرم العملية الاتصالية رأسا على عقب، وأصبح الاتصال تفاعليا وتشاركيا من الجميع إلى الجميع.

هذا التطور الملفت دفع وسائل الاتصال التقليدية إلى محاولة استيعاب هذا الفاعل الرقمي الجديد والاستفادة من الإمكانات التواصلية الجديدة..

ولأن منصات التواصل الاجتماعي أصبحت جزءا رئيسيا من المحتوى الخبري لوسائل الإعلام التقليدية، وعلى رأسها التلفزيون، الذي بات يخصص العديد من البرامج للمحتوى القادم من منصات السوشيال ميديا.. أصبح المواطن العادي يصنع الحدث، ويقوم بتوثيقه والتعليق عليه والتفاعل معه على نطاق واسع.

وهذا نتج عنه ما بات يسمى بـ "صحافة المواطن Citizen journalism ".

فما هي آلية عمل هذه البرامج التفاعلية؟ وكيف يتم إعدادها؟ هذا ما سنناقشه في هذه المحاضرة..

 

مثلما قلنا في البداية، هذه المحاضرة هي عبارة عن استعراض لتجربة برنامج "هاشتاج"، وسأقدم لكم نبذة مختصرة عنه:

برنامج هاشتاج هو برنامج تلفزيوني يومي على قناة "الجزيرة مباشر".

انطلق في يونيو عام 2014 كأول برنامج تلفزيوني تفاعلي عربي يعنى بتناول أبرز وأحدث ما يدور في منصات التواصل الاجتماعي.

كما يفتح الباب لاستضافة الشخصيات المثيرة للجدل، ويسعى إلى إثارة قضايا تحدث زخما ونقاشا ساخنا على مواقع التواصل.

كان البرنامج في بدايته عبارة عن حلقة يومية تبث في منتصف الليل لمدة 25 دقيقة. وباعتبار أن البرنامج هو جزء من شاشة تلفزيون الواقع الذي تمثله قناة "الجزيرة مباشر"، انطلقت خدمة "هاشتاج الآنHashtag now " في أغسطس 2017 وهي خدمة تقدم للمشاهد العربي التغريدات والوسوم والمنشورات ومقاطع الفيديو والصور الأكثر والأحدث تداولا في شكل موجز إخباري مباشر، لأول مرة على شاشة عربية.

وهو ما يكمل رسالة "الجزيرة مباشر" التي تهتم ببث أحدث ما يهم المشاهد فور وقوعه، وفي قالب بصري أعطى حيوية وتميزا للشاشة.

يبث البرنامج ثلاثة مواجيز صباحية بشكل يومي في الساعة الواحدة والثالثة والخامسة. ويتراوح زمن الموجز بين 5-7 دقائق.

 

والآن سنبدأ في التعرف على كيفية رصد الأخبار من المنصات الرقمية؟

بداية لا بد للصحفي بصورة عامة أن يلم بشكل كاف بمختلف المنصات الرقمية وأن يكون على دراية جيدة بطبيعة هذه المنصات وكيفية التعامل معها كضرورة مهنية.

ويتعين ذلك على صحفيي برامج المنصات الرقمية المتلفزة.

إذ يتطلب الأمر منا الإحاطة المستمرة بكل جديد على هذه المنصات ورصد أبرز القصص المثارة باعتبارها المزود الرئيس لبرامجنا.

وليست فقط الموضوعات المثارة أو التي شهدت تفاعلا، بل لا بد أن نملك الحاسة الصحفية في التقاط القصص الملفتة وإن لم تحظ بتفاعل واسع.

هذه إحدى مهام البرامج التفاعلية.. فكثير من القصص المهمة لا تجد صدى واسعا إلا بعد أن يتم إبرازها لتحظى بالزخم الذي تستحقه، وهذه الموضوعات قد تكون صورة مؤثرة لطفل في مخيمات اللجوء في ظل موجة الثلوج لتعكس حجم المعاناة التي يعيشها الأطفال في المخيمات أو النازحون بشكل عام..

وقد تكون تغريدة تكشف انتهاكا حقوقيا معينا أو تتضمن تصريحا مهما لشخصية ما، أو قد تكون مقطعا مصورا يكشف حادثة تحرش بطفل كما حصل مع المتحرش بطفلة المعادي في مصر التي أشعلت تفاعلا واسعا..

قد تكون كذلك مقطعا مسربا من مستشفى للحظة انقطاعِ الأوكسيجين عن مرضى كورونا وموت عدد من المرضى كما حصل في أحد المستشفيات في مصر أيضا، وغير ذلك من القصص التي تستدعي حاسة رفيعة من الرصد والمتابعة المتواصلة في هذه المنصات المتعددة.

أصبحت منصات التواصل الاجتماعي اليوم موردا مهما للأخبار من فيسبوك وحتى تطبيق كلوب هاوس -أحدث ما وصلت إليه الثورة الرقمية على صعيد هذه المواقع.

وبالتالي فإن الحاجة لتقصي الأخبار من هذه المنصات صارت أمرا ملحا. واستنادا إلى ذلك فإنه يجب على الصحفي أن يكون على دراية بالعديد من النقاط، أشارك بعضها معك:

- حسابات أبرز النجوم والمشاهير والشخصيات المعروفة من زعماء ومسؤولين وصحفيين وناشطين وحقوقيين على الأقل في محيطه التواصلي، والمجال الذي يعمل فيه.

- معرفة حسابات المنظمات الدولية مثل منظمات الأمم المتحدة والحسابات الرسمية للمؤسسات العالمية وكذلك حسابات الدول والحكومات والشخصيات الرسمية باعتبارها مصادر أساسية في التقاط الأخبار والتصريحات والمواقف.

وقد تكون أكثر المنصات التفاعلية التي تعتمد عليها بعض البرامجِ التلفزيونية هي فيسبوك وتويتر، باعتبار فيسبوك يحظى بجماهيرية تفاعلية هائلة، بينما يغلب على منصة تويتر الطابع الجاد والرسمي.

ويدور في هاتين المنصتين الكثير من الجدل والنقاش السياسي والحقوقي. بل أصبحت ساحة محتدمة للصراعِ السياسي وتنفيذ الحملات الإلكترونية فيما يمكن تسميته بـ "حرب الوسوم" Hashtags وهذا سنتحدث عنه في جزء لاحق من هذه المحاضرة بإذن الله.

 

هناك اختلاف جذري وفوارق بين برامج المنصات الرقمية على التلفزيون، دعونا نتعرف عليها سويا:

- يقوم بعضها على مجرد التقاط الموضوعات التي شهدت تفاعلا وإثارة النقاش حولها باستضافة بعض أركان القصة الخبرية المثارة، فيما قد تعتمد بعض تعليقات الجمهور على القصة وتقدمها بأسلوب سردي للواقعة وتطوراتها ومنها مثلا برنامج "تريندينغ" على قناة بي بي سي.

- بينما هناك برامج أخرى تقوم بشكل أساسي على فكرة المتابعة الآنية لحديث المنصات وطبيعة تفاعل روادها مع هذه الموضوعات ومنها برنامج "هاشتاج" الذي هو محل تركيزنا.

وفي إطار بحثنا المتواصل عن القصص وكذلك رصد تفاعل المدونين معها، علينا أن نبحث أولا عن تفاعل من تهمهم القصة بشكل وثيق.

فمثلا حادثة حرق لاجئين أثيوبيين في اليمن من قبل جماعة الحوثي أو أي حادثة أخرى تتعلق بالشأن اليمني علينا أن نبحث عن أبرز ردود الفعل في اليمن باعتبارها المعني الأول بالحدث.

وهذا يتطلب إلماما -كما ذكرنا سابقا- بأبرز الناشطين والمدونين في اليمن أو أي دولة أخرى وذلك لإثراء القصة وكشف جوانبها المختلفة.

نحتاج إلى رصد بعض التفاعلات من خلال الشخصيات المعروفة أو من خلال استخدام الوسوم المتداولة حول القصة وبعض الكلمات المفتاحية للحدث وهكذا.

لكن علينا ألا نغفل أهمية تعليقات الجمهور فهي جزء أصيل من هذا التفاعل وعلى القصة أن تعكس مختلف وجهات النظر ولا تجعلها حكرا على فئة معينة في ظل مساحة تفاعلية بالأساس.

 

بعد البحث والحصول على المعلومة، ما هي الخطوة القادمة؟ إنها خطوة التحقق من المحتوى..

لا شك أن التحقق من موثوقية المواد القادمة من منصات التواصل تشكل تحديا صعبا وذلك لأمرين:

* أولهما الحاجة لمواكبة جديد ما يتداول عبر هذه المنصات وبالتالي إيجاد نوع من السبق الصحفي وآنية المتابعة.

* والأمر الآخر وهو الأهم: التأكد من محتوى هذه المواد وهي مهمة ليست بالسهلة. وهنا قد نلجأ إلى طرق عديدة للتأكد من موثوقيتها قبل نشرها، ومن ذلك:

- متابعة أبرز الناشطين والحسابات الموثقة للمهتمين بالأمر والجهات الرسمية.

- الحرص على أخذ المعلومات من الحسابات الموثقة والمعروفة، ونسبة هذه المعلومات إلى مصادرها.

- العودة إلى وكالات الأنباء والقنوات الإخبارية الموثوقة في حال تناولت الموضوع، وكذلك شبكة العلاقات الشخصية للصحفي التي تمكنه من التواصل مع أشخاص ذوي اطلاع على القصة للتأكد من مصداقية هذه المعلومات أو الصور وغيرها.

 

أصبحت أغلب القنوات التلفزيونية حاليا تملك وحدة خاصة بالتحقق من المحتوى قبل نشره، خصوصا تلك المواد القادمة من منصات التواصل الاجتماعي.

مثلا لدينا في "الجزيرة مباشر" فريقا خاصا بالتحقق، لذا فإن الصحفي يتأكد بالطرق الأولية، والموضوعات والصور التي تحتاج إلى مزيد من التحقق تحول إلى وحدة التحقق ليتم التأكد منها بتقنيات خاصة بالوحدة.

تؤكد (براندي زادروزنيBrandy Zadrozny )  وهي صحفية استقصائية في شبكة (NBC NEWS) الأمريكية في (دليل التحقق من عمليات التضليل والتلاعب الإعلامي، الصادر عن معهد الجزيرة للإعلام) ما أشرنا إليه في وسائل التحقق من محتوى المواد على المنصات الرقمية.

كما تشير إلى أهمية التركيز على اسم المستخدم باعتباره نقطة البداية في التحقق، وهي نقطة جوهرية بطبيعة الحال، حيث إن بعض الشخصيات المعروفة هناك حسابات تحمل أسماءها وإن لم تكن تابعة لها.

وبالتالي يجب التأكد من أن الحسابات موثقة وتعود ملكيتها لأصحابها الفعليين.

وتضيف "زادروزني" خاصية الصورةِ باعتبارها مفتاحا للتأكد من حقيقة الشخصية في حال كانت الحسابات غير معروفة، وبالتالي يمكننا التأكد من أصحاب الحسابات من خلال البحث عبر استخدام الصورة وفق تقنيات معينة منها:

خاصية البحث عبر الصورة. حيث يمكن من خلال نقرة واحدة على الصورة البحث عن مثيلاتها في مختلف المنصات ومنها جوجل (bing) وياندكس الروسي (Yandex) وتيناي (Tineye) كما يظهر معنا في الصورة المرفقة..

يجدر لفت الانتباه إلى التحري عن ملكية الحسابات. حيث إنه في أحيان كثيرة تقوم حسابات عدة بنسخ تغريدات لشخصيات معروفة أو تقتبس نصوصا من تغريدات شخصيات أخرى، وبالتالي يجب التأكد من رصد التغريدات عبر حسابات دقيقة وموثقة لأن ذلك يقلل من مصداقية البرنامج ودقته أمام الجمهور.  

تشير (مليسيا زيمدارس Melissa Zimdars) وهي أستاذة مساعدة في الاتصال والإعلام بكلية ميريماك في الولايات المتحدة، في دراسة (False, Misleading, Clickbait-y, and Satirical “News” Sources',2016)، إلى نقاط مهمة في مسألة التحقق السريعِ من مصداقية المحتوى في المنصات الاجتماعية، ومنها:

- ضرورة التحقق من تاريخِ نشر القصة أو الصورة أو الفيديو المتداول: لأن منصات التواصل يكثر فيها إعادة التداول وقد يكون المحتوى صحيحا ودقيقا ولكنه قديم.

وفي حالة الصور والفيديوهات فإن مسألة تاريخ نشرها وتداولها وصحتها يعد أمرا مهما.

قد يتم إدخال تعديلات على بعض الصور أو الفيديوهات أو يتم التلاعب بمحتواها، ويمكن التحقق من ذلك عبر برنامج Fotoforensics..

وهذا عرض لطريقة التحقق من الصور عبر هذا البرنامج..

 

نصل الآن إلى مرحلة بناء القصة التفاعلية للتلفزيون..

وهو الأمر الذي يتوقف عليه نجاح القصة من عدمه.. لذا فإن الشكل الذي ستبدو عليه القصة التفاعلية عامل رئيسي من عوامل تميزها وجذب التفاعل معها. ولبناء قصة تفاعلية للتلفزيون علينا اتباع بعض الإرشادات المهمة، منها:

- أولا: المتابعة الجيدة والاطلاع الدائم على حديث منصات التواصل الاجتماعي، وذلك لالتقاط أفكار وموضوعات تفاعلية ملفتة، وليست هذه المنصات المسرح الوحيد للحصول على الأفكار والموضوعات.

أحيانا قد نجد الأخبار في أي وسيلة أخرى سواء عبر وكالات الأنباء أو في التلفزيون، ثم نقوم بالبحث عن تفاعل الجمهور معها ومن ثم سنقوم برصد هذا التفاعل لإنتاج قصة خاصة بنا.

- ثانيا: بعد الحصول على فكرة تناسب الخط التحريري للقناة التي ننتج لها، يتوجب علينا الاطلاع بصورة أوسع على تفاصيل القصة والتطورات الخبرية المتعلقة بها، وكذلك ردود الفعل التي أثارتها هذه القصة، وهنا علينا الإلمام بمختلف جوانب الموضوع.

- ثالثا: حين تتوفر لدينا إحاطة شافية بحيثيات الموضوعِ، سيكون علينا أولا التفكير بالشكل الأنسب لبناء القصة بصورة تجعلها متفردة وملفتة، كما سنفكر بالمواد المرئية التي ستقوم عليها القصة سواء كانت صورا متداولة أو مقاطع فيديو كليب/ أو غيرها.

- رابعا: مدخل إنتاج قصة تفاعلية للتلفزيون قد يكون مقطع فيديو متداولا أو صورة حظيت بتفاعل واسع أو خبرا أو قد تكون تدوينة أو تغريدة لشخصية معروفة تتضمن تصريحا حول شيء ما أو تعليقا بشأن قضية جدلية.

قد يكون أيضا وسما حظي بتفاعل على المنصات الاجتماعية ونحو ذلك.

- خامسا: بعد التقاط الفكرة والإحاطة التامة بمختلف جوانبها ورصد مدى التفاعل معها بين المدونين، نتجه إلى إعداد القصة من حيث تجهيز المادة المرئية أو العنصر الرئيسي الذي تقوم عليه القصة، ثم تحرير المقدمة الخبرية للقصة، ومن ثم نقوم برصد جانب من التفاعل على الموضوع بحيث تتضمن ردود الفعل ومختلف وجهات النظر وتعطي صورة واضحة للمشاهد عما يريد معرفته حول هذه القصة.

 

 

 

ما الذي يميز لغة البرامج التفاعلية؟

       تمثل اللغة في البرامج التفاعلية تحديا حقيقيا ينعكس بشكل مباشر على جودة وحيوية بل ونجاح البرنامج من عدمه -في تقديرنا- فماذا نعني بها؟

نقصد باللغة هنا: لغة الصياغة التحريرية للقصة التفاعلية، بين الصياغة الخبرية التقليدية والأسلوب المتحرر من القوالب الجامدة.

تعلم عزيزي المتابع أن اللغة جزء أصيل من هوية هذه البرامج، لهذا فإن الإشكالية اللغوية عنصر حاسم في تميز البرامج التفاعلية. لكن مسألة اللغة تثير جدلا بين المنتجين انطلاقا من الأسئلة التالية:

- هل هذه البرامج هي برامج لمنصات التواصل الاجتماعي أم هي برامج تلفزيونية إخبارية؟

- وهل عليها أن تستند إلى الأسلوب الخبري أم تحتاج إلى كسر القواعد التحريرية الخبرية وإثبات هويتها بصياغة تحريرية جديدة تتناسب مع خصوصيات منصات التواصل الاجتماعي؟

       في خضم هذا الجدل هناك من يسعى إلى المزج بين الأسلوبين.. باعتبارها برامج تواصلية في قنوات إخبارية، وهذا يقتضي أنها تخضع تحريريا إلى قواعد محددة وإن لم تكن تقريرية صارمة.

وفي المقابل هناك من يرى أن هذه البرامج تحتاج إلى التملص من الأساليب التحريرية الخبرية وابتكار نماذج خاصة تتناسب مع خاصية التواصل التي تتسم بها المنصات الرقمية وروادها.

ويمكننا الخروج من هذا المأزق حين نقرر أن الغايات التي قامت عليها هذه البرامج هي التي تفرض أسلوب الكتابة ونوع اللغة المستخدمة.

فعلى سبيل المثال برنامج "هاشتاج" يقوم على فكرة تحويل آنية التفاعل الرقمي إلى خبر الساعة على الشاشة، ومواكبة التفاعل بصورة مستمرة دون انقطاع، وإبقاء الجمهور على اطلاع بأبرز ما يدور على منصات التواصل الاجتماعي، وهذا التوجه قائم على فكرة الآنية التي تعتمد عليها قناة الجزيرة مباشر.

      يختلف الأمر عند حديثنا على سبيل المثال على تجربة برنامج "نشرتكم" على قناة "الجزيرة الإخبارية"، باعتبارها حلقة واحدة في اليوم تستعرض أبرز القصص المثارة على منصات التواصل الاجتماعي، وهنا نكون نحن في "الجزيرة مباشر" قد تناولنا الأمر تقريبا ثلاث مرات في ثلاثة مواجيز مختلفة طوال اليوم.

الأمر يختلف أيضا لو تحدثنا عن برنامج "تريندينغ" على شاشة "بي بي سي عربي" الذي يعد مغايرا بصورة كلية عن برنامج "هاشتاج" من حيث الفكرة وأسلوب التناول وكذلك اللغة المستخدمة فيه، وإن كانت جميعها برامج تستقي أخبارها من منصات التواصل الاجتماعي.

 بناء على ما سبق يمكن القول إن هناك تعددا في الرؤى وتنوعا في التجارب فيما يتعلق بضبط اللغة التحريرية للبرنامج:

- إذ أن هناك برامج تتجه إلى اعتماد السرد القصصي لتناول القصة التفاعلية، فتقوم بجمع مختلف جوانب القصة ثم تسردها بأسلوب قصصي يشرح طبيعة الحدث وجوانبه المختلفة ثم تستعرض في نهاية الأمر مجموعة من ردود الفعل والتعليقات حول هذا الحدث.

- هناك برامج أخرى تسعى إلى المزج بين الأسلوب التفاعلي المرن والقالب الخبري في الوقت ذاته، وذلك يعود بطبيعة الحال إلى فكرة الآنية والمواكبة الخبرية لحديث منصات التواصل.

 

 

كيف يصنع التريند؟

أحدثت الوسوم أو الهاشتاجات النقلة الأحدث لصناعة التفاعل حول القضايا والموضوعات على المنصات الرقمية، وبالتالي فإن التركيز على استخدام هذه الوسوم يحول القضايا والموضوعات المثارة إلى حدث ضخم ومهم ومؤثر يجب التفاعل معه.

لهذا أصبحت الحملات الإلكترونية عبارة عن تظاهرات رقمية هائلة تعكس وجهة نظر الجماهير حول قضية ما مساندة أو رفضا أو مطالبة بإصلاحات معينة أو غيرها.

وبناء عليه فإن الوسوم/ الهاشتاجات تمثل أمرا جوهريا بالنسبة لبرامج منصات التواصل الاجتماعي، سواء:

- من خلال استخدامها لاستعراض طبيعة التفاعل حول النقاشات النشطة على المنصات الرقمية،

- أو أن تقوم هذه البرامج ذاتها بإثارة الموضوعات وإنتاج هاشتاجات تبلور هذا التفاعل وتجعله ينصب في سياق موحد حول القضايا المثارة.

يفترض أن تقوم هذه البرامج بأخذ زمام المبادرة في حشد التفاعل نحو القضايا الجديرة بالاهتمام، ولا تكتفي بأن تكون مساحة لعبور القضايا دون أن يكون لها دور في صناعة التفاعل وتوجيهه في خدمة القضايا النبيلة.  

لا يجب أن يتوقف الأمر عند استعراض التفاعل على هذه المنصات وحسب، بل ينبغي أن يتعداه إلى مدى أوسع، من خلال استعراض الوسوم التي لاقت تفاعلا  ومناقشة هذه القضايا التي تجسدت على شكل وسوم عبر البحث في تفاصيلها وتحليل أبعادها واستعراض مختلف وجهات النظر حولها.

هذه القضايا هي بمنزلة خبر عاجل، وتتطلب نقاشا كما تتطلب الأخبار العاجلة نقاشا وتحليلا، والهدف من هذا النقاش والتحليل هو البحث فيما وراء الوسوم المتداولة.

 

نصل الآن إلى المساحة التفاعلية "مقابلات" 

     البرامج التفاعلية هي عبارة عن ميدان مفتوح ومساحة للتفاعل مع المحيط الجمعي، وهي إن شئت تواصل من الجميع إلى الجميع.

والجدير بهذه البرامج أن تمنح حديث المنصات والفاعلين بها المساحة الأوسع من خلال استضافة الشخصيات الفاعلة والمؤثرة على هذه المنصات.

والمقابلات في هذه البرامج تعتبر جزءا رئيسيا من أجزاء المعالجة.

وقد تسألني هنا: ما المدخل لهذه المقابلات؟

بطبيعة الحال الأحداث والشخصيات تفرض ذاتها على منصات التواصل فالشخصيات المثيرة للجدل والنقاش على هذه المنصات سرعان ما تتسابق الفضائيات إلى استضافتها وإجراء مقابلات معها وتسليط الضوء على القضية التي تقف خلفها هذه الشخصيات.

وقد يكون الحدث مثلا انتشار مقطع لشخصية معينة لاقى تفاعلا هائلا بين المدونين، أو موقفا من شخصية ما حول قضية أثارت جدلا وتفاعلا، أو قد تكون مسألة غير واضحة وتطلب الأمر استضافة شخصية للتعليق عليها وتوضيحها للجمهور.

 المداخل كثيرة جدا لفتح مساحة واسعة للنقاش والتفاعل، دون معي:

- قد يكون المدخل مثلا صورة، أو تغريدة، أو مقطعا مصورا، أو أية حادثة عارضة حظيت بالاهتمام على المنصات الرقمية.

على سبيل المثال، بعد انتشار برنامج "كلوب هاوس" على الصعيدِ العربي استغرب عدد من المدونين من صورة الشخص الذي بات أيقونة لأحدِ أشهر وأحدث ما قدمه الإعلام الرقمي، لذا قام برنامج "هاشتاج" باستضافة صاحب الصورة الموسيقي الأمريكي الشاب (أكسل منصور Axel Mansoor) وأجرى لقاء معه لتوضيح القصة وراء اختيار صورته أيقونة لهذا التطبيق الشهير.

وبالمناسبة فهذه الأيقونة متغيرة وليست ثابتة حيث يتم تغييرها كل فترة بصورة شخصية مشهورة.

 

ننتقل الآن إلى المنصات المتفاعلة

من الواضح أن جميع المنصات أصبحت مصدرا أساسيا لصناعة التفاعل، وكل منصة لها جمهورها وتتسم بسمات خاصة تميزها عن غيرها.

إلا أنه هناك بعض المنصات التي تطغى على صناعة التفاعل وإثارة النقاش الجاد، خصوصا البرامج التي تميل إلى القالب الخبري أكثر من الجانب الترفيهي.

ولذا فإن منصات مثل تويتر وفيسبوك تتصدر قائمة المنصات التي يدور فيها النقاش حول مختلف القضايا السياسية والاجتماعية وغيرها، بما تتمتع به من إمكانات خاصة باعتبارها منتديات تفاعلية ذات جماهيرية واسعة.       

وبلغة الأرقام أظهرت دراسة بحثية أجرتها جامعة "نورثويستورن" بقطر حول طرق استخدام منصات التواصل الاجتماعي في المنطقة العربية، أن 90 %من المجتمع المصري يستخدم تطبيق فيسبوك، بينما يستخدمه 30% فقط من المجتمع القطري.

وأشارت النتائج إلى أن مستخدمي فيسبوك في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بلغت 187 مليون مستخدم وذلك حتى العام ،2019 وبالتأكيد فإن الأرقام زادت بعد ذلك بكثير.

في حين يستخدم 60% من المجتمع السعودي منصة تويتر.

وأظهرت دراسة أخرى قام بها الباحث وأستاذ الصحافة بجامعة "أوريغون" الأمريكية "Damian "Radcliffe  أن 9 من أصل 10 من الشباب العربي يستخدمون منصات التواصل الاجتماعي بصورة يومية، وأن منصة فيسبوك هي المنصة الأكثر استخداما في المنطقة العربية.

كما أشارت الدراسة إلى أن مصر هي السوق الأكبر لمنصة فيسبوك في المنطقة العربية، وجاءت السعودية وتركيا في طليعة المستخدمين لمنصة تويتر في الشرق الأوسط بالمرتبة الخامسة والسادسة على التوالي.

ووفقا للدراسة فإن 72% من مستخدمي تويتر في السعودية والإمارات و62% في مصر يعتبرون هذه المنصة أحد أبرز المصادر الرئيسية للحصول على الأخبار.

وأوضحت النتائج أن تركيا جاءت في المرتبة السادسة عالميا في استخدام منصة إنستغرام، بينما جاءت السعودية في المرتبة الخامسة في استخدام سنابشات (Snapchat).  

تبرز هذه الأرقام والإحصائيات أهمية معرفة المنصات المتفاعلة وجمهورها، وهي عناصر محورية في رصد طبيعة عملها.

 

 

من التلفزيون إلى المنصات "النشر"

لا يتوقف الأمر عند رصد التفاعل على منصات التواصل وإثارة النقاش وصناعة الترند وغيرها من مهام البرامج التفاعلية.

بل ينسحب إلى مسألة نشر حلقات البرنامج على مختلف منصات التواصل الاجتماعي وبدرجة أساسية على المنصات الأكثر تفاعلية والتي يتركز اهتمام البرنامج التفاعلي عليها.

وعند النشر يراعى عنصر الإبداع في كتابة العناوين بحيث تبدو مركزة وقصيرة وملفتة وتثير التفاعل بدروها.

فمن خلال النشر على هذه المنصات تتسع دائرة شهرة البرنامج ومعها ترتفع نسبة ثقة الجمهور بالبرنامج، الأمر الذي يتيح له الوصول إلى نطاق عريض من الجمهور.

ومن المفترض بطبيعة الحال أن تكون هناك حسابات خاصة بالبرنامج عبر مختلف منصات التواصل.. على الأقل المنصات التي يركز البرنامج عليها، ومن خلالها يتم تسويق البرنامج على هذه المنصات وربط علاقة متينة بين الجمهور والبرنامج، والتركيز على ردود فعل الجمهور حول أداء البرنامج، والاستفادة من المقترحات التي يبديها المتفاعلون.

ويمكن القول إن نسبة نجاح أي برنامج تفاعلي هو جماهيريته وارتباطه الوثيق بجمهوره على مختلف المنصات ومدى التفاعل معه ومع الموضوعات والقضايا التي يتناولها.

 

قبل أن نختم هذه المحاضرة، سنتطرق إلى بعض الأخطاء الشائعة في العمل على إنتاج برامج منصات التواصل الاجتماعي، ويتمثل أبرزها في:

- الحرص على السبق على حساب الدقة، لذا لا ننشر قبل التحقق مهما تكن القيمة الخبرية للمادة. 

- الميل إلى الروتين الذي يقتل روح هذه البرامج، إذ ينبغي مواكبة التنوعِ والابتكار كجزء من طبيعة عمل هذه البرامج لتبقى وتحافظ على حيويتها وحضورها الجماهيري.

ونختم معك عزيزي المتابع بالسؤال التالي:

ما هو أفضل برنامج تفاعلي لديك؟

ولماذا تفضله عن غيره؟

نرجو أن تكونوا قد استفدتم من هذه المحاضرة.. وإلى لقاء قريب بإذن الله، أستودعكم الله، والسلام عليكم.

شاهد المزيد محاضرات