اللغات

محاضرة: كيف نناقش القضايا الاجتماعية تلفزيونيا؟

محاضرة: كيف نناقش القضايا الاجتماعية تلفزيونيا؟

أنا أحمد ولد إسلمُ، رئيس تحرير نشرات في قناة الجزيرة، وأعمل منتجَ برنامج الجزيرة هذا الصباح منذ خمس سنوات، قبل ذلك كنت منتج نشرات إخبارية في قناة العربية لمدة ثلاث سنوات، سبقتها تجربة في إعداد التقارير الميدانية في مناطق الحرب مع قناة الآن، حيث كنت منتج أخبار، ومراسلا ميدانيا بليبيا أثناء سنة الثورة، والبحرين أيام الانتفاضة.

بدأت مسيرتي المِهنية بالصحافة الإلكترونية، حيث انطلقت من وكالة الأخبار الموريتانية، ثم عملت بعد ذلك بالإذاعة والتلفزيون الموريتانيتين. وأنا خريج قسم الإعلام والتلفزيون عام 2007، وأعمل منذ ذلك الحين بميدان الإعلام بمجالاته المختلفة.

أهلا بكم في محاضرة: كيف نناقش القضايا الاجتماعية تلفزيونيا؟

سنقسّم هذه المحاضرة إلى محاور عدة:

  • أهمية نقاش القضايا الاجتماعية تلفزيونيا.
  • معايير اختيار القضايا الاجتماعية للنقاش التلفزيوني.
  • فنيات المعالجة البصرية للقضايا الاجتماعية عند نقاشها.
  • أخطاء شائعة.

 

لماذا نقاش القضايا الاجتماعية تلفزيونيا؟

كلنا نعلم أنه من وظائف وسائل الإعلام التوعية، ربما يكون أحد معايير اختيارنا للقضايا الاجتماعية أن نوعيَ المشاهد بقضية ما، فنتحدث عن أخطار بعض الأمراض مثلا، أو أخطار بعض الممارسات الاجتماعية، وعندما نناقش مثل هذه القضايا فنحن نهدف إلى توعية المشاهد سواءً بمخاطرها، أو بأهميتها.

ومن المعايير التي تجسد أهمية نقاش القضايا الاجتماعية معيار التثقيف، والتثقيف كما هو معلوم إحدى وظائف وسائل الإعلام، التي تخصص لها جزءا كبيرا من برامجها، لذلك فإن القضايا الاجتماعية المرتبطة بالتثقيف، هي إحدى القضايا التي نختار على أساسها قضية ما للنقاش في وسائل الإعلام، وخاصة وسائل الإعلام التلفزيونية.

هناك أيضا وظيفة أخرى من وظائف وسائل الإعلام وهي الترفيه، فأحيانا نختار قضية ما للنقاش بهدف الترفيه، أكثر من أن يكون هدفنا أن نثقفَ أو نوعيَ المشاهد.

 

معايير اختيار قضية اجتماعية للنقاش التلفزيوني:

هناك سؤال دائما يتبادر إلى ذهن مقدمي هذه الخِدْمات الإعلامية، وهو: لماذا نناقش قضية اجتماعية معينة؟

توجد بعض المعايير التي يجب أن تتوفر في قصة معينة لتكون موضوعا للنقاش، هذه المعايير قد تأتي مجتمعة، وقد تأتي على حدة، لكن لا بدّ أن يتوفر بعضُها على الأقل في قصة معينة، حتى تكون صالحة للنقاش التلفزيوني.

 

- أحد هذه المعايير هو الجِدّة:

أن تكون قضية مستجدة، يدور حولها حديث الناس في منتدياتهم، وعلى شبكات التواصل الاجتماعي، أو في نشرات الأخبار، فهذه القضية الاجتماعية، قد تكون بحثا أو اكتشافا علميا أو ظاهرة اجتماعية لفتت الأنظار مؤخرا.

 فنحن عندما نحدد معيار الجدة كعامل أساسي في اختيار قضية اجتماعية، نراهن على أن المشاهد يتوقع منّا أن نسبر أغوار هذا الموضوع الجديد، وهو متلهف لمعرفة تفاصيله.

 

- يوجد معيار آخر، وهو الأهمية ماذا نعني به؟

هناك الكثير من القضايا التي تثار على شبكات التواصل الاجتماعي بشكل يومي، وعشرات القضايا التي قد تكون مثار حديث الناس، لكنها ليست ذات أهمية بالنسبة لصانع المحتوى الإعلامي.

فهذه الأهمية مرتبطة بالسياسة التحريرية للوسيلة الإعلامية، فما تراه مهما قد يراه غيرك أقل أهمية، وقد يراه آخر لا يستحق التغطية نهائيا.

معيار الأهمية إذن مرتبط بالمسار والخطّ التحريري الخاص بالمؤسسة الإعلامية.

فعندما ترى في مؤسستك أن قضية ما تكتسي من الأهمية ما يستدعي نقاشها، يجب أن تبرر رؤيتك تلك، بأن هذه القضية تتطابق مع توجهات مؤسستك وتحقق أهدافها.

 

- لدينا معيار آخر، وهو معيار الانتشار:

أحيانا قد لا تكون القضية جديدة، وقد لا تكون ذات أهمية كبيرة جدا بالنسبة لك كصانع محتوى، لكنها قضية منتشرة، وانتشارها لفت الانتباه، وتستحق أن تتناولها في برنامجك.

خلال هذه السنة على سبيل المثال، وفي ظل انتشار جائحة كورونا، كثُر الحديث عن حالات الخلاف الزوجي، نظرا لأن الجميع صار يعيش في مكان مغلق، وحُجِب الناسُ عن السفر، فيمكن القول إن نقاش الخلافات الزوجية أو الطلاق أو تزايد العنف المنزلي أشياء قديمة، وليست ذات أهمية كبيرة، لكن نظرا لأنها انتشرت مؤخرا نتيجة لأسباب معينة، يمكن أن تختارها للنقاش التلفزيوني استنادا إلى ذلك.

 

- هناك معيار آخر وهو معيار إثارة الجدل:

هناك قضايا قد لا تكون جديدة أبدا، وليست ذات أهمية، وغير منتشرة، لكنّك كمنتج ومقدم لخدمة إعلامية تتوقع أن هذه القضية ستثير جدلا.. وهذا ما يسميه منتجو البرامج "رمي الحجر في البركة الراكدة".

فقد تمر عليك أيام لا تجد فيها موضوعا بارزا للنقاش، خاصة بالنسبة للذين ينتجون البرامج اليومية، فهؤلاء تعترضهم صعوبة في إيجاد مواضيعَ جديدة، ومهمة، أو منتشرة، فيلجؤون إلى مواضيع مثيرة للجدل، من أجل أن يحركوا المياه الراكدة.

فلو تناولنا الآن موضوع الإلحاد لدى الشباب العربي، هذا الموضوع ليس جديدا، وقد لا يكون ذا أهمية بالنسبة للبعض، وقد لا يكون منتشرا كذلك.

لكنّك كمقدم خدمة تلفزيونية، إذا لم تجد موضوعا يتصف بإحدى الصفات السابقة، قد يخطر ببالك أن تثير جدلا، أن تستضيف شخصا مشهورا بآرائه الجدلية، ويمكن أن يقدم تصريحات نارية، تثير النقاش في شبكات التواصل الاجتماعي، فتكسب من خلاله جمهورًا.. إذن فمعيار إثارة الجدل من المعايير التي قد نختار على أساسها قضية للنقاش على شاشة التلفزيون.

 

- من المعايير أيضا تعدد الآراء:

فتعدد الآراء في قضية ما يستدعي نقاشها، نظرا لأن تباينها هو مدعاة لجلب المشاهدين.

والمشاهد يسعى أحيانا ليسمع آراءً مختلفة، لذلك فمعيار تعدد الآراء هو واحد من المعايير التي نحتكم إليها لاختيار القضايا الاجتماعية للنقاش التلفزيوني.

 

- لدينا معيار آخر وهو توقع الأثر:

فأنت تتوقع كمقدم خدمة إعلامية أنك إذا ناقشت قضية معينة ستترك أثرا سواء لدى المشاهدين أو في المجتمع.

لذا، فقد نختار قضية ليست جديدة، ولا منتشرة، وليس هناك الكثير من الآراء حولها، لكنك تتوقع أن تترك أثرا، فتختار على سبيل المثال قصة أحد المبتكرين العرب الذي نجح في مكان بعيد عن وطنه، لأنك تتوقع تأثر المشاهد بهذه القضية.

 

- الاستشراف واحد من المعايير المشار إليها سابقا:

ونعني به القضايا التي لا تكون واضحة المعالم، والمواضيع الاجتماعية التي لم تدرس بعد على النحو الأمثل، ولم تُثر العديد من الآراء.

مثل هذه القضايا قد نناقشها أحيانا من أجل أن نستشرف ماذا سيحصل خلال السنوات المقبلة، وكيف سيكون تأثير هذه القضية في المستقبل.

على سبيل المثال، وخلال العام الجاري تناولت العديد من البرامج ماذا سيحدث بعد مرور سنة على انتشار جائحة كورونا، كيف ستؤثر علينا هذه الجائحة؟ كيف سيؤثر علينا التعليم والعمل عن بعد؟ كيف سيؤثر علينا المنع من السفر؟  الكثيرون كتبوا وناقشوا واستضيفوا لاستشراف ما سيحصل.

 

- أخيراً هناك معيار التنوّع:

ونعني به اختيار قضية للنقاش، ليسَ لأنها جديدة، ولا لأننا نتوقع منها أثرا، ولا نريد استشراف مستقبلها، إنما نرى أن التنويع فيما نقدّمه قد يكون مفيدا.

فنحن مثلا في تلفزيون عربي يستهدف الجمهور العربي، قد يخطر في بال أحد المنتجين مثلا أن يناقش عادات اليابانيين في الأكل!

هذا الموضوع ليست له أية علاقة بالمشاهد العربي، لكن الهدف منه هو أن ننوع ما نعرضه على الشاشة، أن نقدم مادة غير مألوفة بالنسبة لجمهورنا، ونتوقع أن هذا التنوع سيجلب بعض المشاهدين الذين يتطلعون لرؤية شيء مختلف عما يعرض على الشاشات العربية عادة.

 

المعالجة البصرية:

عندما نتحدث عن قضية اجتماعية لنقاشها تلفزيونيا، أول ما يخطر في بالنا هو كيف سنعالجها بصريا.

لأنك إن اخترت قضية جديدة ومثيرة وقد تجلب آلاف المشاهدين، ولم تعالجها بصريا، فإنك في هذه الحالة تقدم موضوعا إذاعيا أو يصلح لصحيفة مكتوبة.

لهذا فإن أول ما سيركز عليه المنتج التلفزيوني هو كيف سيعالج هذه القضية بصريا. وفي هذا السياق هناك خطوات يجب أن نأخذها بعين الاعتبار:

- اختيار الموضوع:

أول خطوة في المعالجة البصرية هي أن تختار الموضوع بشكل جيّد. واختيار الموضوع في المؤسسات الإعلامية لا يكون عادة بصفة فردية، هناك اجتماع للتحرير يقرر أن موضوعا ما يستحقّ النقاش، وعادة ما يكون في هذا الاجتماع نوع من العصف الذهني، فتطرح العديد من المواضيع، ويُختار من بينها موضوع محدد وفقا للمعايير التي تناولناها سابقا.

 

- البحث المعمق:

لا يكتفي مقدم خدمة إعلامية باختيار الموضوع فقط، فقبل أن يناقش أي موضوع يجب أن يكلّف أحد الزملاء بالبحث بحثا معمقا حوله، ليطّلع على كل ما نُشر حوله، وأهم الدراسات التي تناولته، وأبرز المشاركين فيه، وآراء الخبراء والمختصين. فهذا البحث المعمق سيختصر الكثير مما سيأتي لاحقا.

 

- تحديد زاوية المعالجة:

من الأركان الأساسية لنقاش قضية ما، أن يتم تحديد زاوية المعالجة، فعندما نختار مثلا "أزمة التعليم عن بعد في ظل جائحة كورونا"، علينا أن نحدد زاوية المعالجة بدقة، هل سنتناول:

  • تأثير التعليم عن بعد على التلاميذ؟
  • أم سنتناول تأثير التعليم عن بعد على الأساتذة وعلى مقدمي الخدمات التعليمية؟
  • أم ستنطرق لتأثيره على المناهج وقابليتها للتدريس عن بعد؟

هذه زوايا متعددة، وقبل أن ندخل في نقاش "أزمة التعليم عن بعد"، يجب أن نحدد الزاوية التي سنناقش الموضوع من خلالها، وبناء على زاوية المعالجة نحدد الخطوة الموالية وهي متطلبات المعالجة.

 

- متطلبات المعالجة:

عندما نقرر أننا بحاجة لضيف يتحدث في زاوية معالجة معينة، هذا سيسهّل علينا ما نحتاجه من متطلبات:

  • هل ستكون مادة فيلمية أو صورا ثابتة؟ أم ستكون تقريرا أو بثا مباشرا؟
  • هل نحتاج ضيفا واحدا، أم يجب أن يكون هناك مشاركون في النقاش؟

لنأخذ أزمة التعليم عن بعد على سبيل المثال: عندما نقرر تناول هذه الأزمة من الزاوية النفسية، فنحن بحاجة أولا إلى مادة فيلمية.

هذه إحدى متطلبات المعالجة، إذ لا يمكن أن نخاطب المشاهدين عن أزمة التعليم عن بعد، ولا نقدم لهم صورا تظهر التغير الذي طرأ على حياة التلاميذ.

نحتاج كذلك إلى خبير نفسي مرتبط بمجال التعليم، لنناقش معه تأثير هذه الظاهرة على حياة التلاميذ. يجب أن نحدد أيضا ما إذا كنا بحاجة إلى أخصائي نفسي في مجال التعليم، أم يمكن أن يكون ضليعا في علم النفس بشكل عام.

هل سيكون معنا في الأستوديو ليوضح الموضوع للمشاهدين عبر واحدة من وسائل الإيضاح الموجودة لدينا؟ أم أن مقابلة عبر شبكة الإنترنت تفي بالغرض؟ هل هو في مكان تتوفر فيه تغطية جيدة تسمح بإجراء المقابلة؟
هذه هي متطلبات المعاجلة.

عندما تحدد كمنتج زاوية المعالجة سيكون واضحا بالنسبة لك ما هي المتطلبات التي تحتاجها لتقدم هذا الموضوع من الجانب البصري بشكل جيد.

 

اختيار الضيف/ الضيوف:

بعد أن اخترت الموضوع وحددت زاوية المعالجة ومتطلباتها، أنت الآن ستختار ضيفا.

والضيف هو أهم محور في نقاش القضايا التلفزيونية.

في العادة نأتي بالضيف لعدة أسباب، منها: أن نأخذ رأيه في موضوع ما، أو لإضافة معطيات جديدة، أو ليقدم لنا رؤية مختلفة عما عهدناه.

على كل حال نحن سنختار الضيف بناءً على زاوية المعالجة التي حددناها سلفاً، وفي بعض الأحيان يكون لدينا عدد كبير من الخيارات، وفي هذه الحالة نختار من نراه مناسبا لموضوعنا، أو لديه فسحة من الوقت ليظهر معنا في البرنامج.

- معايير اختيار الضيف:

أن يكون قادرا على توصيل فكرته من خلال الحديث إلى الكاميرا:

فأحيانا قد تجد عالما، أو باحثا في موضوع معين نُشرت حوله عشرات الدراسات، وهو بالمعايير النظرية أفضل الضيوف، لكنه قد لا يكون قادرا على الظهور تلفزيونيا، وقد يكون عييا لا يستطيع الكلام أمام الكاميرا. قد تكون لديه أيضا بعض المشاكل الخِلقية التي تمنعه من الظهور على الشاشة، وقد تكون معاييرك الخاصة تمنع ظهوره.

مثلا كثير من الفضائيات تمنع ظهور النساء المنقّبات للحديث عن مواضيع معرفية، لأن أساس المعرفة هو الثقة، وأنت لا تستطيع أن تثق في معلومات أخذتها من شخص لا تعرفه..

أنت كمنتج أو معد ليس لديك مانع أن تظهر امرأة منقبة في قضية اجتماعية متعلقة بها في تقرير أو مقابلة، لكن عندما يتعلّق الأمر بقضية اجتماعية أو تربوية عامة، فأنت في هذه الحالة تقدم معلومات، فتفضل أن يكون مقدم المعلومة قادرا على مواجهة المشاهدين، أن ينظر إليهم وينظروا إليه، فهذا سيكسبه ثقة لديهم وسيكسبهم ثقة فيما يقول.

 

- تحضير الضيف:

إذا اخترت الضيف المناسب تأتي مرحلة تحضير الضيف للمقابلة، وهي نقطة يُغفلها الكثير من مبتدئي العمل التلفزيوني.

لا يكفي أبدا أن تتصل بضيف وتقول له: أنت غدا ستكون معنا في مقابلة في البرنامج الفولاني، على الساعة كذا... فتحضير الضيف هو أحد أهم نقاط نقاش القضايا الاجتماعية في التلفزيون.

وهذا التحضير يشمل كل التفاصيل المتعلقة بالضيف، بدءا بالحديث معه عن ملابسه، والتأكد من قابلية وصوله إلى مكان المقابلة، يشمل التأكد من أنك أوجدت له وسيلة الوصول إلى هذا المكان، يشمل كذلك التحضير النفسي للضيف، فأحيانا يكون شخص ما، هو الضيف المناسب للحديث عن قضية معينة، لكنك عندما تأتي به يواجه مشكلة في الحديث إلى الكاميرا، فتجد أنك جئت بضيف متمكن، لكنك لم تحضّره نفسيا، لم تشرح له أن الأستوديو فيه عدد كبير من الكاميرات، وعليه أن ينظرَ في كل مرة إلى إحدى هذه الكاميرات.

وأحيانا قد يكون لدى الضيف تحفّظ شخصي حول الظهور في مقابلة مع امرأة غير محجبة مثلا، لذا يجب عليك أن تشرح لضيفك أن هذا البرنامج تقدمه فتاة غير محجبة، وعليه أن يتقبل ذلك أو يرفضه.

ومن تحضير الضيف للمقابلة أيضا أن تجلسَ معه وتريَه نوعا من التقدير والاحترام، وأن تكسر الجليد بينه وبين المذيعين، لأن هذه قد تكون أول مقابلة يجريها عبر التلفزيون، فهو لا يعرف أنه سيكون تحت إضاءة قوية لفترة طويلة، وأنه سيتحدث دون أن يرى صورته على الشاشة، وإنما يرى الكاميرا فقط. لهذا يجب عليك كمنتج أن تحضر الضيف جيدا، أن تراجع معه المعلومات التي سيقدمها في المقابلة، وأن تذكره بالمحاور التي ستناقشها، وتعرفه على المذيع؛ ومن ثم تشرح له طبيعة المقابلة، هل ستكون بشكل مسترسل أم ستكون فيها وقفات لعرض بعض العناصر.

 

- المعادل البصري:

التلفزيون شيء مرئي بالأساس، لذا عليك أن تحدد ما تحتاجه كمعادل بصري، فالمعادل البصري قد يكون أحيانا صورا ثابتة، وقد يكون تقريرا أو مادة فيلمية حول الموضوع، والهدف منه أن نكسر رتابة الصورة التي يراها المشاهد، أو أن نضيف معاني لمضمون المقابلة، أو نفسر بعض المعلومات التي يقدمها الضيف.

ومن فوائد المعادل البصري أيضا إطلاع المشاهد على مضمون المقابلة إن كان فاته تقديمها، فلو تحدثت عن موضوع العنف المنزلي مثلا، فيمكن أن يعرف المشاهد موضوع المقابلة من خلال الصور المعروضة على الشاشة.

 

- قوالب المعالجة:

من المهم ونحن نتحدّث عن متطلبات المعالجة التلفزيونية أن نتحدث عن القوالب التي قد نستخدمها في هذه المعالجة، بعض البرامج تكتفي بالتقرير المتكامل الذي يلخّص أبعاد الفكرة، لكن في بعض الأحيان قد لا يكون التقرير هو أفضل الخيارات، فتكتفي مثلا بخبر تمهيدي لما سيقدمه الضيف من معلومات في المقابلة، ومن الخيارات المتاحة أيضا تقديم شرح مفصل عن الموضوع على الشاشة الجدارية، نظرا لأن المعلومات التي سيشرحها المذيع على الشاشة الجدارية قد لا تتوفر لديك الصور المناسبة لها، فستعيض عن المادة الفيلمية بالشاشة الجدارية، وفي بعض الأحيان قد تكتفي بعرض صورة، أو خريطة للمكان، أو صور متحركة نظرا لتعذر وجود البدائل.

قد تلجأ كذلك في حالات استثنائية إلى بعض مقابلات الشارع أو ما يعبر عناها بــ VOX POP لتأخذ رأي عينة من الجمهور في الموضوع، فمثلا في موضوع العنف المنزلي لن تجد شخصا يضرب زوجته ويصور ذلك، لذا تلجأ إلى مثل هذه الحلول. وقد تضطر إلى كتابة مقدمة قوية إذا لم تكن لديك أية مادة أخرى، وهذا أسوأ الخيارات.

 

الإجهاد الزومي:

سنأخذ قضية اجتماعية ناقشناها تلفزيونيا في برنامج الجزيرة هذا الصباح كمثال..

القضية كانت: الإجهاد الزومي وهو مصطلح جديد على وسائل الإعلام نظرا لأنه ابتكر خلال الفترة الماضية من طرف باحثين في جامعة ستانفورد، والذي ابتكره هو متخصص في علم الاتصالات، وطالب علماء النفس بمناقشة هذه الظاهرة المتمثلة في الإجهاد الذي يحصل للإنسان من خلال الاجتماعات المتكررة على الإنترنت باستخدام تطبيق زووم.

عندما طرحنا هذا الموضوع للنقاش، ثار جدل في اجتماع التحرير نظرا لأنه موضوع جديد، ولن نجد من يتحدث عنه تفصيليا، ومن أطلق المصطلح ليس متخصصا في علم النفس، وإنما هو عالم اتصال، فكان التساؤل: هل من المناسب أن نطلق في قناة الجزيرة مصطلحا غير علمي؟

وخلصنا في النهاية إلى أننا لن نطرح الموضوع على أنه مرض نفسي، وإنما على أنه مصطلح أطلق من طرف مختص في علم الاتصال يطالب أصحاب الاختصاص بنقاشه. وقررنا كذلك في هذا الاجتماع أن معالجتنا لهذا الموضوع ستكون من عدة زوايا:

- الزاوية الأولى عبارة عن خبر مصور يلخص مضمون الدراسة.

- والزاوية الثانية تتمثل في شرح تفصيلي لهذا المصطلح، وربطه ببعض الدراسات الأخرى التي تحدثت عن تأثير اجتماعات زووم؛ ومن بينها دراسة تناولت الزيادة في عمليات التجميل، لأن الناس صاروا يرون أنفسهم عن قرب من خلال هذه الاجتماعات المتكررة، فارتفعت عمليات التجميل المطالبة بمعالجة منطقة الذقن والخدين وبعض المناطق التي لم يكن الناس ينتبهون إليها في حياتهم العادية.

- قدمنا كذلك "تقرير شاشة جدارية فيديو وول" من أجل أن نستوفيَ جميع الجوانب المتعلقة بالتعريف بهذا الموضوع.

- ولأننا بحاجة إلى الوقوف على حقيقة هذا المصطلح، استضفنا متخصصا في الموارد البشرية، وكل عمله معتمد على الاجتماعات عن بعد، ليحدثنا عن تجربته الشخصية، وكيف ينظر إلى مفهوم الإجهاد الزومي؟ هل تأثر ببعض العوامل النفسية المرتبطة بكثرة التحديق إلى الشاشات؟ هل تأثرت عاداته اليومية بسبب العمل عن بعد؟

- كنّا كذلك بحاجة إلى معالجة الموضوع من زاوية أخرى.. وهي الزاوية النفسية، ليشرح لنا الأخصائي النفسي تأثير هذه الظاهرة المنتشرة، بسبب تحول معظم الأعمال إلى أعمال عن بعد، ومعظم الاجتماعات إلى اجتماعات افتراضية، فاختفى التواصل البشري اليومي الذي كان يحصل في الاجتماعات، وصرنا نحدق إلى الشاشات لفترة طويلة، وفي أحيان كثيرة صرنا نغلق الكاميرا خوفا من أن يكون المكان الذي نجلس فيه غير مناسب للعرض على الزملاء في اجتماعاتهم.

إذن تناولنا هذا الموضوع من عدة زوايا، وقدمنا معالجة متكاملة لهذا المصطلح الذي كان جديدا في حينه.

 

لماذا اخترنا هذا الموضوع؟

أولا لأنه موضوع جديد، ويمس شريحة واسعة من الناس، ولأنه كذلك موضوع واسع الانتشار، ومثير للجدل، سواء على المستوى العلمي أو على المستوى الواقعي في حياتنا اليومية.

 

أخطاء شائعة:

سأختم معكم هذه المحاضرة ببعض الأخطاء الشائعة التي يقع فيها منتجو البرامج التي تتناول القضايا الاجتماعية في وسائل الإعلام التلفزيونية:

- عدم معرفة الضيف بالشكل الكافي:

من الأخطاء التي يقع بها المنتج أن يأتي بضيف لا يعرفه جيدا، ولم يبحث على الإنترنت ليطّلع على مقابلاته السابقة إن وجدت، ليكتشف أثناء المقابلة أنه عييٌ لا يحسن الكلام أمام الكاميرا، أو لديه مواقف أو تحفظ من الظهور إلى جانب امرأة في مقابلة تلفزيونية، أو لديه عادات تمنعه من المشاركة في النقاش بمعايير معينة...

 

- الانخداع بالشهرة:

قد تأتي بضيف مشهور على شبكات التواصل الاجتماعي، لكنك تكتشف على الهواء أنه فارغ المحتوى، ولا يستطيع أن يقدم لك فكرة جيدة، وأنه اشتهر على شبكات التواصل الاجتماعي نظرا لمعايير أخرى غير المعايير التي استضفته على أساسها لنقاش قضية معينة.

 

- الوقت المتاح:

أحيانا تأتي بضيف فيكتشف أن المقابلة مدتها أربع دقائق مثلا. يجب أن تخبر الضيف قبل أن يأتي إليك بمدة المقابلة، حتى يكون على بينة من أمره، إما أن يقول لك: أنا لا أريد أن أترك عملي أو أخرج من بيتي لإجراء مقابلة مدتها أربع دقائق، وإما أن يوافق على المشاركة وفق الوقت المخصص للمقابلة.

من المهم أن تطلع الضيف على الوقت المتاح وعلى كيفية تقسيم كلامه على المحاور المحددة.

 

حلول مقترحة:

ماذا لو وقعت في أحد هذه المواقف؟

- إذا جئت بضيف واكتشفت أنه يعاني من مشكلة في الكلام أمام الكاميرا، أو أنه يقدم لك إجابات مختصرة، من قبيل: نعم؛ لا؛ لا أعتقد...

أنت كمنتج ومقدم للبرامج التلفزيونية ستواجه هذه الحالة دون شك، وهنا تبرز أهمية التحضير الجيد والبحث المعمّق، قبل المقابلة، لأن مذيعك سيكون قد قرأ كل ما نشر حول الموضوع، وألمَّ به إلماما جيدا، ليسعف الضيف بالمعلومات... فيقول مثلا: الحقيقة أن الدراسة التي نشرتها جامعة كولومبيا قالت كذا وكذا... وبهذه الطريقة يفتح الأفق أمام الضيف ليتكلم.

هذا الحاجز أيضا يمكن كسره قبل المقابلة، فإذا تحدثت مع الضيف ووجدت أنه غير قادر على الكلام، عليك أن ترخيَ أعصابه عبر مساعدته على التنفس الصحيح، وإخراجه من جو الرهاب النفسي الذي يتعرض له أي شخص يُستضاف أول مرة في التلفزيون.

 

- قد تواجه أيضا ضيفا ثرثارا.. تسأله سؤالا فيرد عليك بمحاضرة، وأنت لديك أربع دقائق فقط! في هذه الحالة يجب أن يكون المذيع على دراية بأن الضيف قد يطنب في الإجابة، لذا عليه أن يستوقفه بلباقة، دون أن يشعر أنه يسحب منه الكلام، فيقول له مثلا: نعم هذه الفكرة واضحة، ما رأيك أن ننتقل إلى النقطة الموالية؟

ومن المهم هنا أن تقول لمثل هذا الضيف أنه ينبغي ألا تتجاوز أي إجابة دقيقة أو دقيقة ونصف، وأنه إذا سمع المذيع يقول نعم، أو يومئ برأسه فهذا يعني أن الإجابة تجاوزت الوقت المحدد.

- قد تكتشف كذلك أنك أتيت بضيف مشهور، لكنه غير قادر على توصيل أي فكرة، في هذه الحالة عليك كمنتج أن تطلب من المذيع أن ينزل بالنقاش إلى مستوى الضيف، سواء تعلق الأمر بالمصطلحات أو بطريقة الكلام العادي، فقد يجد الضيف مشكلة في الكلام باللغة العربية، وعليك أن تشرح له أنه يمكن أن يتحدث بلهجته ولا مشكلة في ذلك، طالما أنه يستخدم اللغة البيضاء التي يفهمها معظم المشاهدين العرب.

 

شكرا لكم على المتابعة، أتمنى أن تكونوا استفدتم من هذه المحاضرة.

أرجو لكم التوفيق جميعا. 

شاهد المزيد محاضرات